لو سألتَ فينيقيًا عن "التبولة" اليوم، قد لا يعرف الكلمة، لكن لو أريته طبقًا من الخضراوات وقلتَ "يروق داجون" (خضراوات الحبوب)، لفهم تمامًا ما تقصده.
إن تطور التبولة من العصر الميزوبوتامي القديم (الكلداني/الأكادي) إلى العصر الفينيقي هو قصة بقاء الزراعة وانتقال "حبوب فائقة" Super Grain عبر الهلال الخصيب.
بينما لم تظهر النسخة الحديثة مع الطماطم والليمون إلا بعد اكتشاف الأميركيتين وانتشار الحمضيات، فإن "جوهر" التبولة - البرغل والأعشاب الجبلية - ظلّ غذاءً أساسيًا لأكثر من أربعة آلاف عام.
1. الجذور الميزوبوتامية (العصر الكلداني/الأكادي)
في سهول بلاد ما بين النهرين (العراق حاليًا)، استخدم الكلدانيون وأسلافهم شكلًا بدائيًا من "المزيج" الذي تطور لاحقًا إلى التبولة.
الدليل اللغوي: يعزو بعض مؤرخي الطعام الاسم إلى الفعل الأكادي/الكلداني "بالالو" bālalū، والذي يعني "الخلط" أو "الترطيب بالزيت".
اختراع البرغل: قبل حوالي أربعة آلاف عام، ابتكر سكان الهلال الخصيب البرغل، من خلال سلق القمح جزئيًا، وتجفيفه تحت أشعة الشمس على أسطح المنازل، ثم تكسيره، ابتكروا حبوبًا مقاومة للعفن والحشرات.
العصيدة المبكرة: في ذلك العصر، لم يكن الطبق سلطة، كان عبارة عن عصيدة كثيفة ومغذية من القمح المجروش ممزوجة بأي خضروات متوفرة - عادةً أعشاب برية أو قَدب Qadb أو Sainfoin واسمه العلمي Onobrychis viciifolia( وهو نوع مبكر من البرسيم) - لتوفير الفيتامينات خلال فصول الشتاء الطويلة.
2- التطور الفينيقي (العصر البحري)
مع صعود الفينيقيين إلى السلطة على ساحل لبنان وسوريا الحاليين (حوالي 1500- 300 قبل الميلاد)، حوّلوا هذه الحبوب الأساسية من بلاد ما بين النهرين إلى غذاء متوسطي أكثر رقيًا.
زيت الزيتون والملح: كان الفينيقيون أسياد التجارة المتوسطية. أدخلوا زيت الزيتون المعصور عالي الجودة وملح البحر كتوابل أساسية، محولين الطبق من "عصيدة للبقاء" إلى طبق مُتبّل.
تغيير الأعشاب: زرع الفينيقيون المناطق الجبلية في لبنان حيث ازدهر البقدونس والنعناع، وبينما كان التبولة الكلدانية على الأرجح غنية بالحبوب، بدأ التأثير الفينيقي في التحول نحو مزيج غني بالأعشاب، مستفيدًا من خيرات الجبال.
التأثير التجاري: من خلال طرقهم التجارية، أضافوا على الأرجح المزيد من البذور والتوابل العطرية (مثل الكزبرة أو أنواع الفلفل المبكرة) إلى خلطات الحبوب، والتي كانت تُقدم غالبًا للبحارة كوجبة سهلة الحمل تدوم طويلًا.
المكونات "المفقودة"
من المهم ملاحظة أن التبولة الفينيقية كانت ستختلف عن التبولة التي نعرفها اليوم:
لا طماطم: لم تصل الطماطم من العالم الجديد إلا في القرن السادس عشر الميلادي.
لا ليمون: أُدخلت الحمضيات إلى المنطقة في وقت لاحق (على الأرجح خلال العصر الروماني أو أوائل العصر الإسلامي). استخدمت الوصفات القديمة عصير العنب غير الناضج أو السماق لإضفاء تلك النكهة المميزة.
الترجمة بتصرف عن مجموعة تاريخ الفينيقيين Phoenician history group على موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك





